بيان رابطة علماء ليبيا بشأن المصالحة و الحوار

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد وآله وصحبه أجمعين.
أما بعد:

فإن الجهود والمساعي التي بُذِلت وتُبْذل من المشايخ والعقلاء والحكماء والأعيان وفي مقدّمتهم الشباب، والتي أثمرت إلى الجنوح إلى السّلم والصلح، وحقن الدّماء، وإنقاذ البلاد، ورعاية مصالحها، لهي جهود جديرة بشكرها وذكرها، فجزاهم الله كل الخير وبارك فيهم، لعملهم بكتاب الله تعالى وسنّة نبيّه صلى الله عليه وسلم، فقد قال الإمام الأوزاعي: ما خطوة أحب إلى الله عز وجل من خطوة في إصلاح ذات البين ، ومن أصلح بين اثنين كتب الله له براءة من النار. [ ينظر: تفسير القرطبي5/327].
يقول الله سبحانه وتعالى: (( وَإِن جَنَحُواْ لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ))، ويقول سبحانه وتعالى: ((لاَّ خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِّن نَّجْوَاهُمْ إِلاَّ مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاَحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتَغَاء مَرْضَاتِ اللّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً))، ويقول سبحانه وتعالى: ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ ادْخُلُواْ فِي السِّلْمِ كَآفَّةً)) وفي بعض التفاسير أن السلم هنا: الصلح.
يقول عز من قائل:(( إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ)).
بل سمّى الله تعالى الصُّلح فتحًا، حيث سمّى سبحانه وتعالى صلح الحديبية فتحًا، قال تعالى: ((إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُّبِينًا)).
ويقول سبحانه وتعالى: ((فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ)). أي: أصلحوا ما بينكم من التّشاحن والتّقاطع والتّدابر بالتوادد والتّحابّ والتّواصل، فبذلك تجتمع كلمتكم، ويزول ما يحصل من التّخاصم والتّشاجر والتّنازع.

وأمّا السنّة النبويّة، فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم يقول: “أَلاَ أُخْبِرُكُمْ بِأَفْضَلَ مِنْ دَرَجَةِ الصّيَامِ وَالصّلاَةِ وَالصّدَقَةِ؟ قَالُوا: بَلَى. قال: صَلاَحُ ذَاتِ الْبَيْنِ، فَإِنَ فَسَادَ ذَاتِ الْبَيْنِ هِيَ الْحَالِقَةُ”، ويُرْوَى عن النبيّ صلى الله عليه وسلم أَنّهُ قَالَ: هِيَ الْحَالِقَةُ لا أَقُولُ تَحْلِقُ الشّعْرَ وَلَكِنْ تَحْلِقُ الدينَ. أخرجه الحافظ الترمذي.
وعن النبي صلى الله عليه وسلم أيضًا: ” مَا عَمِلَ ابْنُ آدَمَ شَيْئًا أَفْضَلَ مِنَ الصَّلاةِ، وَصَلاحِ ذَاتِ الْبَيْنِ، وَخُلُقٍ حَسَنٍ “. أخرجه الحافظ البيهقي في شعب الإيمان.
وعنه صلوات ربي وسلامه عليه: (( يَا أَبَا أَيُّوبَ ، أَلَا أَدُلُّكَ عَلَى صَدَقَةٍ يَرْضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ مَوْضِعَهَا؟ فَقَالَ : بَلَى ، قَالَ : ” تُصْلِحُ بَيْنَ النَّاسِ إِذَا تَفَاسَدُوا وَتُقَرِّبُ بَيْنَهُمْ إِذَا تَبَاعَدُوا”. أخرجه الحافظ الطيالسي وغيره.
هذا هو منهج الإسلام العظيم في الحثّ على الصلح، وحقن الدّماء، وإنهاء التنازع، وهو منبع الخير لليبيا، فتطبيق هذه المعاني، وتطبيق وصيّة النبي صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع” فَإِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ وَأَعْرَاضَكُمْ بَيْنَكُمْ حَرَامٌ كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا، فِي شَهْرِكُمْ هَذَا، فِي بَلَدِكُمْ هَذَا”، هو طوق النجاة ومصدر كل خير ورحمة وبركة تحتاجها ليبيا اليوم.
إن كلّ من يُعرض عن هذه النّصوص القرآنية والحديثيّة، ويؤجّج نيران الفتن ويذكّيها، ويدعو إلى مزيد من القتال والدّماء؛ لجدير به أن يتوب إلى الله تعالى، وأن يطئطئ رأسه تعظيمًا للمنهاج النبوي، وأن ينوء بنفسه عن المشاركة في إراقة قطرة دم واحدة، فليتق الله تعالى، فإنّ الأمة كلّها تحمّله مسؤوليّة دماء المسلمين، ألم يسمعوا قول النبي صلى الله عليه وسلم : ((منْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلْيَقُلْ خَيْرًا أَوْ لِيَصْمُتْ)) أخرجه الإمام مسلم.
إنّ الفتاوى الدمويّة الصادرة من بعض من يتصدّر المشهد الديني لتؤكّد ما طالبت به ” رابطة علماء ليبيا ” منذ 2012، من ضرورة الفتوى الجماعيّة التخصّصيّة، التي تقي من الخطأ، والتي تجمع ولا تفرّق، مراعيةً للمصالح والمقاصد العامة للشّريعة، أما الاستبداد بالفتوى الفرديّة الجزئية، وإلزام النّاس بها فهو شبيه بالاستبداد السياسي ولا يختلف عنه
إنّ دعوى أن الصّلح لا يتولاّه أفراد الأمّة بأنفسهم، بل لابد أن يتولاّه وليّ أمر المسلمين، هي دعوى مصيبة في أمر واحد فقط، وهو الصلح بين المسلمين وغير المسلمين، نصّ على ذلك الفقهاء.
أما الصّلح بين المسلمين في أنفسهم فغير داخل في هذا، بل أفراد الأمة جميعًا مأمورون بالسعي في الصلح، وهو من فروض الكفاية، فقد تولّى النبي صلى الله عليه وسلم الصلح بنفسه، ويسافر لذلك كما في صلح بني عمرو بن عوف، وقوله صلى الله عليه وسلم: ((اذهبوا بنا نُصلح بينهم)) أخرجه البخاري، ودعا النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه وأمّته للصلح في الأحاديث سابقة الذِّكر، قال الإمام الشافعي في كتاب الأم4/6: وسماهم الله تعالى المؤمنين – في قوله تعالى: ” وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا”- وأمر بالإصلاح بينهم، فحق على كل أحد دعاء المؤمنين إذا افترقوا وأرادوا القتال أن لا يقاتلوا حتى يدعوا إلى الصلح.
فالتسوية بين الأمرين والدعوة إلى مزيد من الاقتتال، وإلزام الناس بالرجوع إلى المؤتمر الوطني أو رئاسة الأركان غير صحيح شرعًا وعقلاً، بالإضافة إلى عدم وجود ولاية شرعيّة للمؤتمر الوطني لانتهاء مدّته، والممثل الشرعي للبلاد هو البرلمان المنتخب وحسب.
إنّ السّلم يحتاج إلى شجاعة أكثر بكثير من شجاعة الحرب، ففتنة التنازع والاختلاف والاقتتال لا ترفع بين أبناء الأمة ولا يقلّ ضررها وشرّها على النّاس إلا من خلال إحياء شعيرة الإصلاح بين النّاس.
إن من مقوّمات نجاح الصلح استعداد الأطراف للتنازل والتغاضي عن بعض الحقوق من أجل جبر القلوب وجمع الكلمة، وخير دليل على ذلك صلح الحديبية وما حصل فيه من تنازل في ظاهر الأمر ظنّه البعض سيئا ومهينًا على الأمّة، ولكنه لمّا كان تنازلاً لأجل بناء الدّولة في كافّة مجالاتها، كان خيرًا على المسلمين، وسمّاه الله تعالى فتحًا، ومن أدلة التنازل والتغاضي أيضًا تنازل الحسن بن علي لمعاوية، وتسمية ذلك العام بعام الجماعة.

ندعو الله تعالى أن يوحّد القلوب على هذا التّصالح والسّلم التي تتوق إليه ليبيا، لأجل بناءها وإنقاذها، كما نرجوه سبحانه أن يهدي الجميع فلا ينجروا وراء المحرضين على الانتقام والغدر والقتل، اللهم آمين
وصل اللهم وسلم على سيدنا محمد وآله وصحبه أجمعين، والحمد لله رب العالمين.

المكتب الإعلامي
رابطة علماء ليبيا

بيان رابطة علماء ليبيا بشأن المصالحة و الحوار2

في هذا المقال